ابن كثير

20

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري : يا محمد انظرني أسألك ، فلم أجبه ولم أقم عليه ، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها اللّه ، فقالت : يا محمد ، انظرني أسألك ، فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس ، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها . ثم أتاني جبريل عليه السلام بإناءين : أحدهما خمر والآخر لبن ، فشربت اللبن وأبيت الخمر ، فقال جبريل : أصبت الفطرة ، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك ، فقلت : اللّه أكبر اللّه أكبر ، فقال جبريل : ما أريت في وجهك هذا ؟ قال : فقلت بينما أنا أسير إذا دعاني داع عن يميني : يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه ، قال ذاك داعي اليهود ، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك - قال - فبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري قال : يا محمد انظرني أسألك فلم ألتفت ولم أقم عليه ، قال : ذاك داعي النصارى أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك - قال - فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها اللّه تقول : يا محمد انظرني أسألك فلم أجبها ولم أقم عليها ، قال : تلك الدنيا ، أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة . قال : ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس ، فصلى كل واحد منا ركعتين ، ثم أتيت بالمعراج الذي كانت تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء ، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج ، قال : فصعدت أنا وجبريل ، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب السماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنوده مائة ألف ملك . قال : قال اللّه عز وجل : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] قال : فاستفتح جبريل باب السماء ، قيل : من هذا ؟ قال جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أو قد بعث إليه ؟ قال : نعم ، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه اللّه عز وجل على صورته ، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته من المؤمنين ، فيقول : روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار ، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين ، فمضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد ، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن عندها أناس يأكلون منها ، قلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك يأتون الحرام ويتركون الحلال . قال : ثم مضيت هنيهة ، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل ، قال : فتفتح أفواههم فيلقمون من ذلك الجمر ، ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى اللّه عز وجل فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء من أمتك الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [ النساء : 10 ] قال : ثم مضيت هنيهة ، فإذا أنا بنساء تعلقن